النائبة آمال طرابيه - عن منية النصر - ميت سلسيل - الجمالية

موقع خدمى لابناء دائرة منية النصر


    كيف يُصنع برنامج انتخابى

    شاطر

    د سيد

    عدد المساهمات : 22
    تاريخ التسجيل : 13/02/2015

    كيف يُصنع برنامج انتخابى

    مُساهمة من طرف د سيد في الأربعاء فبراير 18, 2015 2:22 pm

    كيف يُصنع برنامج انتخابى
    د . هالة مصطفى
    فى المراحل الاستثنائية التى تمر بها الشعوب والمجتمعات يكون على الرئيس ــ أى رئيس ــ اتخاذ قرارات صعبة، وهذه القرارات لاتأتى الا بوجود رؤية سياسية واقتصادية شاملة لطبيعة الأوضاع القائمة ولما يجب أن تكون عليه فى المستقبل .
    ولايصح ذلك عن طريق الشعارات أو مداعبة الاحلام لدى البسطاء، وانما عن طريق برنامج واقعى يعكس تلك الرؤية، أو يبنى على الحقائق والموارد المتاحة وكيفية ادارتها واعادة تخصيصها وفقا للأولويات المدروسة. وقبل كل ذلك يجب أن يكون هناك توجه معروف يبنى عليه البرنامج. والمقصود بـ «التوجه» هو الانتماء أو الانحياز لمدرسة فكرية معينة (يمينية / ليبرالية / اشتراكية) لأن كل توجه يترتب عليه سياسات عامة بعينها تتكامل مع بعضها البعض. ففى الولايات المتحدة على سبيل المثال والتى تدور فيها المنافسة الاساسية بين الحزبين الكبيرين «الجمهورى» و«الديمقراطى» يمكن التنبؤ بما ستكون عليه البرامج الانتخابية للرؤساء بحكم المعرفة بالمدرسة الفكرية التى ينتمى اليها كلا من المرشحين الرئاسيين عن هذين الحزبين. فلأن الحزب الاول (أى الجمهورى) ينتمى لليمين المحافظ فمن الطبيعى أن ينحاز فى برنامجه للنظام الرأسمالى بصورته التقليدية التى تقلص الى الحد الأدنى تدخل الدولة فى الاقتصاد أو مشروعات التنمية وفقا للقاعدة الشهيرة بأن حرية السوق المطلقة (العرض والطلب) قادرة على تصحيح ذاتها بذاتها. وهذا ينعكس على تشريعاته وسياساته العامة مثل تخفيض النظام الضريبى تحفيزا للاقتصاد ورجال الأعمال والاستثمار، وهكذا. أما الحزب الآخر (أى الديمقراطى) الذى ينتمى للمدرسة الليبرالية، فهو يؤمن بتدخل أكبر للدولة فى شئون الاقتصاد لتنظيم السوق وضمان منافسة عادلة وتحقيق العدالة الاجتماعية و دعم الطبقة المتوسطة فيما يعرف بـ «دولة الرفاهة» أى الدولة الملتزمة بالرعاية الاجتماعية للمواطنين من تعليم وصحة واسكان وتأمينات، الى منح القروض المتوسطة والصغيرة لدعم مختلف الفئات الاجتماعية، ويرتبط ذلك بنظام ضريبى مغاير يوفر للدولة موارد مالية أكبر للانفاق على برامج الرعاية من ناحية، و تخفيف العبء عن الطبقات المتوسطة والفقيرة من ناحية أخرى وهو المعروف بنظام الضرائب التصاعدية .
    ان البرامج الانتخابية لا تُصنع فى فراغ فكرى أو فى غياب توجه سياسى محدد حتى لا تكون السياسات العامة عشوائية تأخذ جزءا من هنا وآخر من هناك. فالمسئولية السياسية وثيقة الصلة بالبرنامج الانتخابى، لذا يجب أن يكون قائما على حسابات دقيقة سواء للموارد أو لأوجه إنفاقها لتحقيق أهداف مقررة.
    هذه بعض الأفكار العامة التى تصلح لتقييم البرامج الانتخابية فى ظل معركة الانتخابات الرئاسية التى تشهدها مصر الآن.
    لقد عانت مصر طويلا من المشاكل المتراكمة وسوء الادارة وعدم استغلال مواردها بالشكل الأمثل فزادت الضغوط الاجتماعية والفقر وتآكلت الطبقة الوسطى وانهارت وظائف الدولة العامة فى كل ما يتعلق بالحياة اليومية للمواطنين، حيث أن جميع القطاعات الخدمية والاجتماعية تعانى من الأزمات.
    ولم يكن للرؤساء برامج أو رؤية لمعالجة هذه الأوضاع المتفاقمة، ولو وجدت برامج فلم تكن تزيد عن تجميع مجموعة من التقارير الحكومية المعتمدة على أرقام صماء وكثير من التفاصيل (مثل عدد المدارس التى أنشأتها الحكومة، فرص التشغيل والعمل التى ستوفرها، عدد القرى النموذجية التى أقامتها، انجازاتها فى القطاعات الحيوية من صحة وتعليم واسكان ورعاية اجتماعية، الى قطاع الخدمات من نقل ومواصلات ونظافة، وكل ما يخص المرافق الأساسية) ولكن من كان ينظر الى الصورة الأعم وواقع الأمور لا يجد انجازا حقيقيا تحقق، بل زادت الأمور تدهورا.
    ان نجاح أى ثورة لا يمكن اختزاله فى اسقاط نظام قديم وازاحة نخبته الحاكمة، وانما فى القدرة على ايجاد بديل افضل يقوم على البناء والتنمية وتحسين أحوال المجتمع . والمفارقة هنا أنه مازالت هناك أهداف و شعارات عامة ترفع هى بلا شك مشروعة ونبيلة مثل «العدالة الاجتماعية» ولكن ليس هناك مشروع متكامل لكيفية تنفيذها. فالعدالة الاجتماعية لكى تتحقق تتطلب سياسات توزيعية للدولة ولكنها قبل ذلك تحتاج الى نمو اقتصادى يحقق قدرا من الوفرة أى انها تدخل فى صميم نمط السياسة الاقتصادية المتبعة. بخلاف ذلك لا شىء سيتحقق سوى تحميل ميزانية الدولة بما لا تطيق و لا تستطيع الوفاء به.
    ان ما يجعل برنامجا انتخابيا متميزا عن الآخر يكمن فى قدرته على اقتحام هذا المستوى، أى مستوى السياسات العامة واعادة صياغتها وليس الحديث عن مسائل جزئية أو فرعية تعد فى الحقيقة نتيجة أو انعكاسا لها. بعبارة أخرى لابد أن تكون هناك اختيارات سياسية محددة مثلا نوع الاقتصاد، نمط الملكية، حرية السوق، طبيعة دور الدولة، الاتجاه نحو المركزية أو اللامركزية، ادارة محلية أم حكم محلى. وفى كل هذه الاختيارات لابد أن يكون المنطلق الفكرى حاضرا، فالتوجه الاشتراكى يقيد السوق ويرتبط بمركزية الدولة وبدور أكبر للقطاع العام بحيث لا يسمح عادة للقطاع الخاص المشاركة فى مشروعات البنية الأساسية، ويلعب الجهاز الادارى دورا رئيسيا بحيث تكون البيروقراطية هى القاعدة الأساسية لهذا النظام، وقد تنخفض فيه الانتاجية بحكم الاعتماد على الدولة فيرتفع معدل التضخم. وغالبا لا يرتبط النظام التعليمى بسوق العمل فتزداد نسبة البطالة وعلى خلاف ذلك يكون نظام السوق الحر أو التوجه الرأسمالى الذى وان كان أفضل فيما يتعلق بالنمو الاقتصادى وتوليد الثروة فى المجتمع، إلا أنه بدوره قد تكون له عيوب أخرى أى قد يكون جامدا محافظا يتجاهل القضايا الاجتماعية أو ليبراليا محققا المعادلة بين الحرية الاقتصادية والالتزام بالدور الاجتماعى .
    فى كل الاحوال فان اختيار التوجه - أيا كان ــ يجب أن يسبق كتابة البرنامج .

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء نوفمبر 22, 2017 8:21 pm